منتدى أحبة الأبداع


اهلا وسهلا بك زائرنا الكريم ..
بمنتدانااحبة الابداع
للتسجيل اضغط هنا ..

كتاب الشاهد(الفصل الاول) يتبع الفصل الثاني الاسبوع القادم (9/3/2010)

اذهب الى الأسفل

مميز كتاب الشاهد(الفصل الاول) يتبع الفصل الثاني الاسبوع القادم (9/3/2010)

مُساهمة من طرف sami_yassein في 3/3/2010, 4:41 pm

الفصل الأول

قتلوا ابنته وخطفوا زوجته وجاء دوره وأصبح يخشى على حياته. أخذ يذرع الحجرة الواسعة والقلق والخوف يسيطران على كل حركة منه. وسط السكون خرج صوته مرتعشاً:
"أمامنا يومان – يومان فقط."
لم يمر رفيق رمزي في حياته كلها بأزمة مثل هذه تجعله يعاني ما يعانيه من ألم وحيرة. كان صلباً قوياً يتحدّى كل الصعاب، ويتغلّب على كل العقبات، ويحطّم كل من يقف في وجهه. لكنه اليوم كان ضعيفاً عاجزاً منكسراً وهو يدور بخطوات قصيرة في القاعة الكبيرة التي تتوسّط المبنى الفخم المطل على شاطئ مونت كارلو. كان يدخّن بشراهة ويشعل السيجارة من الأخرى دون توقّف. امتلأ المكان بدخان أبيض غلّف القاعة بسحابة ثقيلة تضعف الرؤية وتكتم الأنفاس. في صراعه مع الموقف بدا وكأنه يفضّل الموت بسرطان الرئة عن أن يُغتال برصاصة غادرة. التفت إلى ضيفه وقال في صوت مرتعش:
"تلقّيت اليوم رسالة قبل وصولك، تهدّدني بأنه إن لم أبرق لهم بمزيد من المال قبل يوم الجمعة القادم، فسوف يقتلون كلوديت ثم يتفرّغون لمطاردتي وقتلي بعد ذلك. أرجوك يا مستر عقّاد. أتوسّل إليك. قل لي أن لديك أخباراً جيدة. لم أعد قادراً على الاحتمال."
بصوت جامد ولهجة هادئة سأل مروان عقّاد:
"كم يطلبون هذه المرة؟"
"خمسة وعشرون مليون يورو فوق الأحد عشر مليوناً التي دفعتها قبل ذلك."
مبلغ كبير جداً مقابل حياة إنسان واحد، لكن رفيق رمزي برغم سنوات عمره التاسعة والسبعين ليس إنساناً عادياً، فقد باع منذ ستة أشهر شركته الكبيرة "النيل للاستثمار والتجارة" التي أسّسها مع شقيقه الراحل شريف عام 1963 إلى شركة فرنسية مختلطة بمبلغ 563 مليون يورو. بذلك أصبح أغنى رجل في مصر وانضمّ إلى الصفوة من رجال الأعمال الكبار في الشرق الأوسط والعالم العربي، يعيش حياة أسطورية من الرفاهية والترف.
كان مروان عقّاد يجلس أمامه على أريكة طويلة أنيقة من الجلد الإيطالي الثمين وهو يفكّر في الفرصة التي بين يديه. رفيق رمزي بالنسبة له من أفضل عملائه وأكثرهم إثارة لطموحاته. عجوز ثري يواجه خطراً يهدّد حياته وسلامته يفزعه ويرعبه. لمثل هؤلاء أنشأ مروان عقّاد شركته لتأمين حياة الأغنياء الذين يعيشون في خوف دائم من المغامرين الذين يهدّدونهم. إلا أن هذه القضية بالذات لها مذاق كريه. جشع وفساد وابتزاز وقتل. كل مكان بحث فيه، وكل ركن خفي نظر داخله، وجد نفسه وجهاً لوجه مع أبشع أنواع البشر وأسوأهم خلقاً وأشدّهم إجراماً وأكثرهم توحّشاً. رفع وجهه إلى الرجل المسنّ الخائف المرتعب واحتار كيف يساعده وليس لديه أخباراً مطمئنة يتمنّى أن يسمعها. لا يعرف ماذا يقول له مما يخفّف من المأساة التي حرمته من أعزّ امرأتين في حياته أحبّهما أكثر من كل كنوز العالم، ابنته وزوجته!
انتهى مروان من ارتشاف القهوة الفرنسية ذات النكهة المحبّبة إليه، ثم حوّل بصره إلى النافذة البانورامية التي تكشف الشاطئ ومياه البحر الأبيض المتلألئة تحت انعكاسات الشمس الغاربة. ذكّره المشهد والبحر بمكان آخر يملأ عقله وقلبه. بيروت موطنه، وشاطئ الروشة، ومياه البحر الأبيض وأمواجه تتسابق وتدور حول الصخور. تذكّر والديه، وتساءل عمّا كان يمكن أن يظنوا في الحياة التي يحياها الآن، وهو يتنقّل بين البلاد والقارات... يعيش دائماً في الشعور بالخطر، ويحمي نفسه بالملابس الواقية من طعنات الخناجر وطلقات الرصاص. دائم السفر... دائم الهروب... دائم الاختفاء. لكن برغم ذلك كله فما يقوم به من عمل يدرّ عليه أموالاً لم يكن يحلم هو ولا والديه بأنه في إمكانه أن يحصل عليها. هو راضٍ عما يعمل ومقتنع به جداً. عمله مشروع ومُعترَف به من كل الجهات. تحتاجه الحكومات والأفراد خاصة أصحاب النفوذ والثروات. هو يحمي ويدافع عمّن يحتاجون إلى الحماية والدفاع. يحرس الأغنياء والحكّام من اللصوص الطامعين في ثرواتهم المهدّدين لسلامتهم الذين يحومون دائماً حولهم.
قاده تفكيره إلى أمه البسيطة الطيبة التي كانت دائماً تتمنّى أن يترك بيروت بعد أن أنهى خدمته في الجيش ويذهب إلى باريس ليواصل تعليمه بها ويصبح طبيباً أو مهندساً أو محامياً، وهناك يتّصل برانيا ويتزوّجها ويستقرّ معها في بيت هادئ آمن وينجب أبناءً وبنات يحقّقون أحلامها وتطلعاتها. كم توسّلت إليه أن يفعل ذلك ويريح قلبها ويستريح؟ علت شفتيه ابتسامة. يستريح؟ كيف؟ وهو يطارد القتلة وتجّار المخدّرات ويدافع عن الباحثين عن السلام والأمان.. يستريح؟ كيف؟ وهو يساعد عملائه في الدخول والخروج من بغداد والموصل والفلوجة. يستريح؟ كيف؟ هل يطمع الميت في النوم؟! جال ذلك كله في خاطره لحظة تحوّل بعدها إلى رفيق رمزي.
"عندي أخبار جديدة لكنها لا هي جيدة ولا سارة."
انتفض الرجل واندفع يسأله:
"ماذا؟ عن كلوديت؟ هل مسّوها بضرر؟ لو فعلوا ذلك أقتلهم. هؤلاء الحيوانات. أقسم لك يا عقّاد أطاردهم وأفتك بهم."
هزّ مروان رأسه نفياً وأوضح قائلاً:
"الأخبار عن كلوديت، لكن ليس كما تظنّ. أرجوك. اجلس."
"أخبرني بما تعرفه. بكل ما تعرفه. أخبرني."
"سوف أخبرك بكل ما عندي. اجلس أرجوك حتى أستطيع أن أحدّثك بكل شيء."
كان يقف بصعوبة وجسده البدين يهتزّ بشدّة. خلال الأسبوعين الماضيين تدهورت صحته بشكل ملحوظ. يتنفّس بجهد وصعوبة، شهيقه وزفيره حشرجة محتضر. عيناه يغطيهما لون أحمر ويملؤهما سائل أصفر يعكس مظاهر القلق والتوتّر. ألقى بنفسه على مقعد كبير وأشعل سيجارة جديدة بعصبية ظاهرة. ما أن جلس حتى مال نحو مروان يقول بصوت متوسّل والكلمات تتعثّر في أنفاسه الثقيلة:
"مسيو عقّاد. أرجوك لا تتلاعب بي."
هزّ مروان رأسه مؤكداً صدقه وسأله:
"قل لي يا مسيو رمزي، ماذا تعني ساو پاولو بالنسبة لك؟"
بدا الارتباك على رفيق رمزي وهو يجيب:
"تقصد مدينة ساو پاولو التي في البرازيل؟"
"نعم."
"لا شيء. لماذا؟"
ضغط مروان على حروف كلماته وهو يسأل بكل جدية:
"لا شيء؟ لا شيء؟"
"لا شيء بالمرّة. لا أعرف عنها شيئاً أبداً."
"هل كان لشركة النيل للاستثمار والتجارة فروعاً هناك؟"
"لا."
"هل كان لأحد مساعديك أو شركائك علاقة بها؟"
"لا."
"هل كان لديك موظفين من البرازيل؟"
"لا أظن."
"هل ذهبت إلى ساو پاولو في رحلة عمل؟"
"لا لم أذهب."
"ولا في رحلة سياحية؟ في إجازة مع زوجتك مثلاً؟"
أجاب رفيق رمزي في ضيق:
"أنا رجل مشغول. عندي أعمال هامة كثيرة. لم يكن لديّ وقت للسياحة والأجازات؟"
"لعلّ زوجتك ذهبت إلى هناك وحدها لأي سبب. هل حدث ذلك؟"
"لا. طبعاً لا."
"هل أنت متأكد من ذلك يا مسيو رمزي؟"
"ما الذي تسعى لأن تصل إليه بأسئلتك هذه؟"
ضغط مروان على كلماته وهو يتابع أسئلته:
"هل أنت متأكد يا سيدي؟ أرجوك فكر. فكر جيداً."
هزّ رفيق رمزي رأسه ثم ترك كرسيّه وأخذ يسير في القاعة المتّسعة في خطوات دائرية قصيرة وهو يسحب أنفاساً عميقة متتابعة من سيجارته. ثم قال ببطء:
"حسناً، الواقع. أظن أنها قامت بزيارة إلى هناك."
وبسرعة بادره مروان قائلاً:
"حدِّثني عن هذه الزيارة. قل لي."
"ليس لدي الكثير لأقوله لك. كلوديت لها قريب تزوّج امرأة برازيلية. إلا أن هذا الزواج لم يدم إلا ستة أشهر ثم تم الطلاق."
"وهل ذهبت أنت لحضور حفل الزواج؟"
"أنا لم أذهب إلى هناك. كلوديت هي التي ذهبت. وكرهت هذه الزيارة. كرهت ساو پاولو والبرازيل كلها. قالت لي ذلك. قالت إنها زحام وضجيج وفوضى. تشبه نيويورك إلى حدٍّ ما بدون سحر نيويورك، طبعاً."
"ومتى كان هذا الزواج؟"
أحنى رأسه وهو يفكّر محاولاً التذكُّر ثم اتّجه نحو البار في جانب من القاعة ومزج لنفسه شراباً وهو يقول:
"لا أتذكّر جيداً، قد يكون من ثلاث أو أربع سنوات مضت."
واتجه نحو مروان ووقف قبالته وهو يهزّ كأسه ليذيب الثلج وسأله:
"لماذا؟ إلى أين تقودنا بذلك كله؟"
لم يجب. انحنى وأمسك حقيبة أوراقه وفتحها وأخرج منها مظروفاً كبيراً أصفر، ومدّ يده به نحو رفيق رمزي الذي سأله وهو يرتشف كأس المارتيني:
"ما هذا؟"
"افتحه. تعرف ما هو."
نظر في وجهه بتمعّن ثم وضع كأسه جانباً وخطى نحوه وأمسك بالمظروف وبدأ يفتحه بحرص. أخرج منه صورة كبيرة أبيض وأسود، بعد أن تأملها اختفت الألوان من وجهه وبدا أصفر شاحباً وعكست عيناه مزيجاً من الدهشة والارتباك. فقد كانت الصورة لزوجته وعليها تاريخ بأنها التُقطت منذ 48 ساعة فقط. ليست مثل الصور التي رآها لزوجته والتي أرسلها له خاطفوها مع طلب الفدية، لم تكن مقيّدة ولا مكمّمة. كانت تجلس في مكتب أمام طاولة تتحدّث مع موظّف رسمي أو مدير مسئول.
بعد جهد استطاع رفيق رمزي أن يجمع شتات نفسه ويتحدّث بصوت ضعيف ويداه ترتعشان بشكل واضح وقال في تلعثم:
"لا أعرف... لا أفهم. ما هذا؟ أين التُقطت هذه الصورة؟"
أجاب مروان:
"التقطتها إحدى كاميرات المراقبة في بنك بمدينة ساو پاولو. زوجتك هنا تسحب المبالغ التي أرسلتها أنت للمختطفين فدية لإطلاق سراحها."
اهتزّت الصورة في يد رفيق بشدّة حتى أنه بذل جهداً للاحتفاظ بها بين أصابعه وقال في صوت كله مرارة وإحباط وألم:
"ماذا تقول يا مسيو عقّاد؟ ماذا تقصد؟ هل تظن أن زوجتي هي التي خططت ذلك كله؟ هل تقول إن هذه الصورة دليل على خيانة زوجتي لي؟"
وجّه مروان إليه نظرات كلها تعاطف واهتمام ومواساة لما يعانيه الرجل المكلوم، وانتظر حتى تستقرّ الحقيقة داخل عقله قبل أن يعرض عليه، كعميل عليه معاونته، الحل والخطوات التي يجب اتخاذها للوصول إليه.
لم تمهله الأحداث ليقول شيئاً، فقد دوى فجأة طلقان ناريان وتناثر زجاج النوافذ وملأ المكان. سقط الرجل العجوز على الأرض والدماء تنزف بغزارة من فمه. اغتيل رفيق رمزي أمام عينيه وخشي مروان أن يكون هو الضحية التالية للمعتدين.


يتبع الفصل الثاني الاسبوع القادم
2/3/2010 >>>>>>>

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى